فاتح شيخ… الصعود الجديد للحركة العمالية في مصر: وميض للطاقات الهائلة للطبقة العاملة في مسار ديمومة ثورة مصر

عمت الاضرابات الكبيرة عاصمة مصر ومناطقها العمالية-الصناعية وشلّتها عملياً. لم تقتصر هذه الاضرابات على القاهرة، بيد ان تمركز قواها في هذا المتروبول العظيم الذي يقطنه ربع مجتمع من 85 مليون نسمة، اضفى عليها ثقلاً واهميةً خاصة من ناحيتين: 1- من ناحية نضالات الطبقة العاملة والجماهير المحرومة من اجل التحسين الفوري لظروف المعيشة، 2- من ناحية صلة هذه النضالات بمسار استمرار الثورة. مع النهوض الحالي للحركة العمالية في مصر، فان هذين الميدانين الضروريين وغير المفصولين عن بعض والذين يمثلان ميدانين اساسيين للصراع الطبقي الجاري، طرحا على جدول اعمال القادة والنشطاء العماليين في مصر اسئلة وقضايا جديدة.

ان صلة نضالات الطبقة العاملة في مصر بثورة انهت عمر 32 عام من تنصيب مبارك لنفسه على راس الاستبداد السياسي لذلك البلد، لم يبقى امراً خافياً على احد اليوم. ان التغطية الضحلة جداً (وفي الحقيقة عدم التغطية) لهذه النضالات من قبل الاعلام البرجوازي، دليل اخر على المكانة الماجورة السافرة والمباشرة للاعلام، بوصفه ركن ثابت للنظام البرجوازي المتعفن، على صعيد العالم. ولكن رغماً عن هذا التعتيم المقصود فقد برزت، تحت ضغط النضال الطبقي نفسه، جوانب من هذه الحقائق، والتي تُعكَسْ الطاقات والامكانيات الهائلة للطبقة العاملة في مسار ثورة 25 كانون الثاني امام انظار العالم. في التاسع من شباط، اي يومين قبل الاطاحة بمبارك، نشرت جريدة لوس انجلس تايمز تقريراً معبراً حول (الجذور العمالية لثورة مصر)، صورت فيه الابعاد العريضة لنضال الطبقة العاملة في مصر قبل الثورة وفي خضمها. ومباشرة بعد هذا، اي في 10 شباط، نشرت جريدة الاهرام، وهي الجريدة الرصينة للبرجوازية المصرية، قائمة طويلة بالاحتجاجات العمالية. لقد كانت الرسالة الصريحة  لكلا الجريدتين هي: اذا لم يرحل مبارك، سيغدوا السيطرة على النضالات العمالية اكثر صعوبة وتعقيداً.

في هذه الايام، نشرت جريدة واشنطن بوست مقالاً حول الحركة العمالية في مصر بعنوان (ازدهار الحركة العمالية في مصر في الربيع العربي، انتوني فايولا، واشنطن بوست-25 ايلول)، وخصصت كويت تايمز (27 ايلول) مقالاً تحليلياً مفصلاً حول الاحتجاجات الجارية لعمال صناعات مصر. اذ وصف كاتب مقال كويت تايمز، عبر الاشارة الى مشاركة نصف مليون عامل صناعي في مصر في هذه الاضرابات، بوصفه اكبر تحرك عمالي في التاريخ المعاصر لمصر وابدى استغرابه من انه: لماذا تقف اليوم وسائل الاعلام الصادرة بالانكليزية، والتي غطت احداث ميدان التحرير ساعة بساعة، صماء امام هذا التطور المهم! لحسن الحظ، ان شبكات اعلام الناشطين العماليين والاشتراكيين وحملات التضامن مع الحركة العمالية كانت على مستوى من النشاط عوضت عن التغاضي المقصود للاعلام البرجوازي والذي هو نفسه جزء من الصراع الطبقي الجاري.

 تنامي امكانيات وحركات الحركة العمالية في مصر في المرحلة الثورية الجارية

 في غالب الاحيان، وهو امر في مكانه، يتم وصف نضالات السنوات الاخيرة للطبقة العاملة المصرية، اي من اضرابات 7 كانون الاول 2006 الى موجة اضرابات 6 نيسان-ابريل 2008، بوصفها مصدر ثورة 25 كانون الثاني ومنبعها. وفق هذه الرؤية، يتم تقييم اتساع الاضرابات العمالية ابان الـ 18 يوم من الثورة واعلان تاسيس 3 اتحادات عمالية مستقلة في  30كانون الثاني ادامة خطية للنضال الطبقي لاعوام 2006 و2008.  ان هذا التفسير هو في محله لحد ثورة 25 كانون الثاني والاطاحة بمبارك، ولكنه بعد ذلك، يعد احادي الجانب وغير كاف، لانه لا يحسب الحساب لتاثير الثورة نفسها، بوصفها حدث عظيم في تاريخ مصر، على مكانة الطبقة العاملة المصرية. في الوقت الذي كانت ثورة مصر حصيلة تطورات وتفاعلات النضال الطبقي لذلك المجتمع، فانها، وبصورة محددة، كانت على الاغلب حصيلة النضال الواسع للطبقة العاملة المصرية ضد الاستغلال والاستبداد الحاكم، وهي نفسها بداية جديدة. ان ثورة مصر هي بداية تاريخية واجتماعية اهم بمراتب من جميع العوامل التي لكل منها دور في اندلاعها.

ان ثورة مصر هي منعطف اساسي لمجتمع مصر وحركة الطبقة العاملة المصرية. اذ يمكن اليوم وبوضوح رؤية وتلمس تاثير هذا المنعطف الاساسي على تنامي طاقات الحركة العمالية المصرية. اذ أن اكثر النشطاء والقادة الاشتراكيين العمال في مصر املاً وتفاؤلاً ورسوخاً وصلابة، لم يكونوا ليتصوروا قبل الثورة بأن تنمو و تتطور حركة الطبقة العاملة بهذه الدرجة. ان الثورة هي واقع وحدث اجتماعي عظيم ومفعم بالتاثير، وان اي ناشط وقائد عمالي لايرى الجوانب المتنوعة والمهمة لتاثيرها، ولا يحسب لاسلوب عمله وافكاره واستراتيجيته وسياسته، ولا يشخص ضرورة الارتقاء الراديكالي لاسلوب عمله ارتباطاً وتطابقاً مع الارتقاء الراديكالي العمالي المستقل في المرحلة الثورية، لن يكون في افضل الاحوال سوى ناشط مخلص للحركة النقابية العمالية لا يعرف 1% من الطاقات والقابليات النضالية للطبقة العاملة في المراحل الثورية، ناهيك عن تنشطيها. يتحدث القادة والنشطاء العماليين بزهو وفخر عن إنه اذا دخل العمال في الثورة بثلاثة نقابات عمالية مستقلة، فان عدد النقابات المستقلة التي تشكلت في 7-8 اشهر الاخيرة قد اجتازت 150 نقابة. ان هذه الدرجة من التقدم يبعث على الزهو كثيراً. ان تقدم القادة العماليين في تنظيم موجة الاحتجاجات الهائلة التي اجبرت الحكومة وارباب العمال على الرضوخ الى قسم مهم من المطالب العمالية هو امر عظيم ويبعث على الفخر بالقدر ذاته.

هذا التقدم الجديد يطرح مطالب جديدة، إن التحسن الفوري لمعيشة واوضاع عمل الطبقة العاملة والجماهير المحرومة للمجتمع، المعلمين والاقسام ذات الدخل المحدود، من اجل التصدي للفقر السائد وانعدام الحقوق السائد، هو مطلب عادل وغير قابل للتأجيل للطبقة العاملة والتي تنظمت معظم الاحتجاجات الجارية حولها. وكذلك الغاء قانون منع الاضراب والاعتصام، الغاء قانون اوضاع الطواريء الذي يدفع به المجلس العسكري مرة اخرى، وبموازاة مطلب الاقرار بالنقابات المستقلة، يُطرح مطلب مهم الا وهو حل الاتحاد الحكومي الذي كان منذ تاسيسه في عام (1957) اداة بيد الحكومة الاستبدادية البرجوازية لناصر والسادات ومبارك واداة تحكم وقمع حركة الطبقة العاملة. ان طرح هذه المطالب هو دلالة الارتقاء السريع بوعي وتنظيم الطبقة العاملة خلال 8 اشهر الاخيرة.

في الوقت ذاته، يفرض هذا التقدم ضرورة اتخاذ اطار جامع وشامل لرؤية وبرنامج واستراتيجية اشتراكية عمالية مرتبطة بالثورة العمالية والاطاحة بنظام عبودية العمل الماجور الراسمالية بوصفه جذر واساس مجمل مصائب المجتمع والطبقة العاملة، وهو الامر الغائب في الابحاث والنقاشات الجارية للحركة العمالية المصرية وشبكات حلقات ومنظمات القادة والنشطاء العماليين. و إضافة الى الفراغ الاساسي والاستراتيجي هذا، فان اسئلة اخرى مطروحة ايضاً، من بينها ماهو معنى صفة “مستقل” في وصف الاتحادات والنقابات؟ هل ان الاستقلال الصرف عن النقابة الرسمية الحكومية  هو امر كاف لتحديد وتامين استقلال الصف الطبقي للعمال وتامين سيادة خط وراية سياسية للتيار الاشتراكي العمالي في هذه المنظمات؟ إن مثل هذا البحث والجدل لم يجري في حلقات القادة العماليين في مصر. حين نتحدث عن “مستقل”، علينا ان نعلم انه في المجتمع، وبالاخص في المراحل الثورية، لايجري فصل واستقلال حركة الطبقة العاملة عن حركات التيارات الاجتماعية الاخرى بصورة اوتوماتيكية، كما انه ليس سهلاً، ولايتحقق الا عبر تحديد واضح لخط وراية تيار الاشتراكية العمالية ونقد ما تطرحة التيارات “اليسارية” غير العمالية. لقد انخرطت تيارات “يسارية” متعددة في هذه المرحلة في مصر في الثورة. وانها تُعرف نفسها كتيارات منتمية إلى الحركة العمالية المصرية. ان التصورات غير العمالية لما قبل الثورة تحمل نفسها لمرحلة الثورة الجارية. ان نقطة قوة الحركة العمالية المصرية والقادة والنشطاء العماليين اليوم هو انها حاضرة بنفسها مباشرة ، وبمعزل عن هذه التيارات، ميدان تأسيس و قيادة المنظمات والتحركات العمالية. ان الثورة بوصفها واقع وحدث اجتماعي كبير، وضعت التيارات اليسارية والنشطاء والقادة العماليين على السواء امام تغييرات جدية وضرورية واختبار سياسي جدي. ان تسيير جدل فكري وسياسي شفاف فيما يخص المسائل الاساسية للثورة، من زاوية التيار الاشتراكي العمالي الفعال داخل حركة الطبقة العاملة المصرية هو ضرورة حياتية راهنة.

تغيير مضمون الثورة ومكانة الطبقة العاملة في مصر

مع التقدم والتحرك الواسع للحركة العمالية في مصر، يطرأ تغيير على مضمون ثورة مصر نفسها. كما ان مكانة الطبقة العاملة قد تغيرت. ان الحركة العمالية في مصر دخلت الثورة باقتدار طبقي لاينكر، ولكنها، وحتى يوم سقوط مبارك، كانت تسير باتجاه واحد مع الحركات والتيارات الاجتماعية والسياسية الاخرى المشاركة في الثورة. لقد انتهى هذا السير باتجاه واحد. إن للطبقة العاملة التي لا ندحة لها، وارتباطاً بمصالحها الخاصة، من مواصلة نضالها لتحسين الفوري لمعيشتها وظروف عملها، اتخذت مكانتها الحقيقية بوصفها اكثر القوى راديكالية في دفع ومواصلة الثورة ويتحتم عليها مجابهة معسكر الثورة المضادة المؤلف من الجيش والحكومة والبرجوازية والاحزاب والحركات الاسلامية والقومية المختلفة. وبينت التجربة التاريخية للقرنين المنصرمين ان اي ثورة واي موجة ثورات، يتشكل امامها مباشرة ثورة مضادة هائلة ومكثفة وان تقدم الثورة او هزيمتها يمر عبر قناة صراع معسكر الثورة (وعلى راسه الطبقة العاملة) مع معسكر الثورة المضادة البرجوازي (على راسه الدولة والجيش البرجوازي).

اذا كانت الطبقة العاملة قد رميت مع ثورة مصر عملياً بمكانة حامل راية مواصلة الثورة، عندئذ ينبغي ان تتحلى برد على مجمل قضايا الثورة ومجمل مسائل المجتمع. وينبغي ان تتحلى بردود ثورية. ان اول واهم مسالة في اي ثورة هو مسالة انتزاع السلطة السياسية، ان هذه المسالة الاساسية في ثورة مصر ضد بقت دون حل وجواب من زاوية الطبقة العاملة والجماهير المحرومة للمجتمع. ماهو رد الطبقة العاملة المصرية على هذا الامر؟ والان بعد هذه الاضرابات الواسعة، ماهو الرد العمالي على مسار ادامة الثورة؟ استناداً الى اي خط وسياسة ستدام الثورة؟  ان رد التيار الاشتراكي للطبقة العاملة هو ليس محض ادامة الاضرابات او تخطيها –المفترض- نحو اضراب عام، ماهو الجواب الدقيق على هذا الامر؟ ان قضية الانتخابات مطروحة الان، ينشد الجيش والدولة والبرجوازية المصرية أن يطلق بعد شهرين وعبر ترتيب برلمان ما، صافرة انتهاء الثورة واقامة حكومة برجوازية “جديدة” بعد مبارك. ماهي سياسة الطبقة العاملة لمجابهة هذا المسار الانتخابي والبرلمان البرجوازي؟ في الدستور المعدل والذي طرح للاستفتاء كذلك، تم تحديد الشريعة الاسلامية بوصفه اساس القوانين، ماهو رد الطبقة العاملة حول مجابهة نظام سياسي علماني وفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم لنظام سياسي مخلوط بالدين؟ ماهو رد الطبقة العاملة على قضية المراة في مجتمع مصر؟ ردها على سياسة خارجية واممية عمالية اشتراكية؟ ماهو سبيل حل الطبقة العاملة لقضية فلسطين؟ واخيراً، ماهي استراتيجية الطبقة العاملة لادامة الثورة الجارية حتى بلوغها الثورة العمالية. ان هذه الاسئلة ومجموعة اخرى متفرعة منها هي اليوم في مصر على طاولة الطبقة العاملة الثورية سواء شئنا ام ابينا. لامفر من ذلك. ولكن يبدوا ان هذه ليست مطروحة بعد على جدول اعمال البحث الفكري السياسي للقادة والنشطاء الاشتراكيين في مصر. ان اعطاء جواب واضح على هذه الاسئلة بموازاة الدفع بالميادين الاساسية للصراع الطبقي يقع على عاتق قادة التيار الاشتراكي للطبقة العاملة في مصر.

في هذه المجابهة الجسيمة، في هذه الحرب الطبقية الحاسمة، عمال مصر ليسوا لوحدهم، وينبغي ان لا يكونوا كذلك. ينبغي ان يكون عمال العالم وتحرريه حماة هذا الحراك الثوري للطبقة العاملة. مع الحضور المقتدر للطبقة العاملة، فإن مواصلة الثورة الجارية في مصر وحتى بلوغ الثورة العمالية هو افق واقعي وممكن. ينبغي السعي بكل القوى من اجل تحقيق هذا الافق.

ترجمة: فارس محمود

نشر بالفارسية لاول مرة في جريدة كومنيست هفتكي-الشيوعي الاسبوعية-، جريدة الحزب الشيوعي العمالي الايراني- الحكمتي، العدد 97 والصادر في 30 ايلول 2011.    

    

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: