فاتح شيخ: بصدد استمرار الصراع الطبقي في مصر

مقابلة صحيفة كمونيست الأسبوعي (العدد 89 المنشور بتاريخ 29 تموز 2011) مع فاتح شيخ

كمونيست: لقد دخلت الثورة في مصر مرحلة جديدة بعد رحيل مبارك والتغيرات المتتالية. حيث انفرط عقد صف القوى التي كانت تطالب برحيل مبارك، إذ أن الطبقة العاملة والجماهير المحرومة تطالب بالاستمرار بالثورة وتحقيق مطالبها التي نزلت الى الساحة من أجلها، في حين سعت البرجوازية المحتجة وأحزابها الى الإعلان عن إنجاز الثورة المصرية برحيل مبارك وإرسال الجماهير الى بيوتها. السؤال هو الى أين وصل هذا المسار؟ وكيف هو استقطاب القوى السياسية في الوقت الحالي؟

فاتح شيخ: إن القضية الأساسية لكل ثورة هي قضية السلطة السائدة في البلد. لقد مر أكثر من ستة أشهر على أشتعال “ثورة 25 يناير” المصرية وخمسة أشهر ونصف على سقوط مبارك ومازالت هذه الفضية الأساسية غير محسومة من وجهة نظر القادة والناشطين العماليين والشبيبة الثورية الذين شكلوا القوى الرئيسية والراديكالية للثورة المصرية. فالسلطة السياسية مازالت بيد نفس الطبقة ونفس المؤسسة الحاكمة التي كانت سائدة في عهد مبارك. ومازال الصراع الطبقي، الرافعة الراسخة لتقدم الثورة المصرية، مستمراً بعد تنحي مبارك (في 11 شباط) عن الحكم بأشكال جديدة وفي ظل استقطاب سياسي مختلف تماماً عن ما كان عليه قبل 18 يوماً من تنحي مبارك. المحور الأساسي للصراع الطبقي في مصر بعد مبارك هو الأستمرار بالثورة من قبل العمال والشبيبة الثورية من جهة ومن جهة أخرى السعي من أجل إيقاف الثورة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وكل معسكر الثورة المضادة البرجوازية المؤلف من الأحزاب البرجوازية القديمة والجديدة. فقد كان المعنى العملي لتنحي مبارك هو حذف رأس نظام الاستبداد السياسي في ذلك البلد وليس هزيمة النظام نفسه. وقد بقيت ماكنة الدولة والعمود الفقري لها أي الجيش على حالها. حيث أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والرجعية البرجوازية التي تشمل فئة واسعة من الأحزاب البرجوازية التي كانت حتى غروب يوم 11 شباط في صفوف المعارضة ركزت جهدها مباشرة بعد سقوط مبارك على الحفاظ على ماكنة الدولة والحفاظ على أسس الرأسمالية مقابل هجوم العمال والشبيبة الثورية. وقد أعلن البرادعي مع سقوط مبارك عن رغبة البرجوازية المصرية بضرورة عودة الأوضاع سريعاً الى حالتها العادية كي يتوجه الرأسمال مجدداً نحو مصر. والمثال الأكثر وضوحاً هو إفساح المجال من قبل الجيش للحركات الإسلامية من قبيل الأخوان المسلمين والسلفيين ووقوف هذا الجناح اليميني المتطرف من البرجوازية المصرية بكامل قامته في الخط الأمامي لجبهة الثورة المضادة البرجوازية ضد تقدم العمال والشبيبة الثورية التي شكلت في نضالها في “الدفاع عن أهداف ثورة 25 يناير” القوة الأصلية لنشر مكاسب الثورة والقوة الوحيدة للاستمرار بالثورة. ومرة أخرى تمت تجربة قيام البرجوازية الحاكمة بفسح المجال أمام عامل الرجعية الدينية وطلب المساعدة منه للتغلب على أية أزمة وثورة.

اصطفاف الأحزاب البرجوازية الى جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضد تقدم الثورة، بالأضافة الى الحقيقة المرة المتمثلة بعدم تسلح القادة والناشطين العماليين في مصر بوعي طبقي واضح وتحزب سياسي شيوعي مستند على برنامج واستراتيجية الثورة العمالية، أدى الى تراجع العمال بعد سقوط مبارك و تموضعهم في خندق الدفاع عن المطالب الاقتصادية والسعي لتأسيس الاتحادات المستقلة بدلاً من التقدم المخطط له خطوة خطوة في الساحة السياسية في مسار استمرار الثورة والقفز نحو الإمساك بالسلطة السياسية وتحقيق الثورة العمالية. وهذا بالطبع ليس تراجعاً سلبياً وليس خضوعاً لإعادة بناء السلطة البرجوازية الحاكمة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة والأحزاب البرجوازية. بل إنه سعي واقعي في مسار تجاوز نقاط ضعف قواها الطبقية. استمرار الاضرابات العمالية بهذا الشكل الواسع الذي لم يسبق له مثيل مهد الأرض يوماً بعد يوم وبشكل أفضل لتأسيس التنظيمات العمالية المستقلة. هذه التنظيمات راحت تخضر على المستوى المحلي مثل الفطر الربيعي. وقد استمرت موجة الإضرابات العمالية للأعوام 2006 و 2008 بالموجة الجديدة لإضرابات مرحلة الثورة حيث تحولت الى ظهير راسخ للثورة وحققت اتساعاً أكبر بعد سقوط مبارك أيضاً (وفق إحصائيات موثوقة تم تنظيم أكثر من 11 ألف إضراب عمالي منذ عام 2006 وحتى الأشهر الأخيرة. حيث تمحورت مطالب العمال بشكل أساسي حول زيادة الأجور، إلغاء عقود العمل المؤقتة، توفير فرص العمل وفي جملة واحدة تحسين مستوى المعيشة وظروف العمل. أحد هذه المطالب التي حقق قبولاً على الصعيد الاجتماعي هو تحديد الحد الأدنى لأجور العمال بـ(1500) جنيه مصري شهرياً (أي ما يعادل حوالي 270 دولار) وأن لا يتجاوز الحد الأعلى لرواتب مسؤولي الدولة والموظفين في القطاع الخاص مستوى عشرة أضعاف ذلك الحد الأدنى. هذا هو طابع طبقي بارز تركته النضالات والإضرابات العمالية حتى الآن على الثورة المصرية.

وفي السعي لأيقاف الموجة المتنامية للاحتجاجات العمالية سعى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بسرعة وبـ”أمر” الى إعلان “عدم قانونية” ومنع الإضرابات. كذلك اشتمل نص الإصلاحات الأولية للدستور الذي تم تمريره بسرعة دون أي استفتاء على منع تأسيس الأحزاب الطبقية! وكان الهدف هو التصدي لتأسيس الأحزاب العمالية والشيوعية. وقد حضت مساعي المجلس الأعلى للقوات المسلحة المضادة للثورة والمعادية للعمال بمساندة ودعم الأخوان المسلمين، التيارات الأسلامية والأحزاب البرجوازية. هذا في الوقت الذي لم تحضَ فيه معارضة الناشطين العماليين، الشبيبة الثورية والتيارات اليسارية المرتبطة بها بقدرة تعبئة القوى الكافية من أجل إحباط تلك المساعي. مع ذلك في ظل هذه الأوضاع وفي ظل تحالف الجيش والأخوان المسلمين وشركائهم، لم يمكن أيقاف نضال وتقدم العمال والشبيبة الثورية، بل بالعكس حيث أن ضغط هذه النضالات اضطر وأجبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومة والجهاز البيروقراطي والأجهزة القضائية على التراجع وتقديم التنازلات المتكررة. إذ جرى من ضمنها وفي الأسابيع الأولى من تشكيل الحكومة إجبار الفريق أحمد شفيق المتبقي من عهد مبارك على الإستقالة وشكل عصام شرف أحد ناشطي ميدان التحرير حكومة جديدة بدلاً عنه. هذه الحكومة أيضاً واجهت الاحتجاج عليها من قبل الثوار لأنها احتوت على وزراء من “الحزب الوطني” في عهد مبارك ومجموعة من الرأسماليين. كذلك دخلت المحاكمة العلنية لرؤوس النظام السابق التي شملت حسني مبارك وأبناءه وكافة الأشخاص الذين كانت لهم يد في قتل الناس أثناء الثورة الى جدول أعمال الجهاز القضائي. وعليه استمرت الثورة بالعمل على جبهتين أساسيتين من النضال الطبقي: الجبهة الأولى النضال ضد الأوضاع الاقتصادية المزرية ومن أجل تحسين معيشة العمال والجبهة الثانية هي الدفاع عن حرية الإضراب والحريات السياسية وفي اتجاه أزاحة رموز نظام مبارك.

خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة (من 8 تموز وحتى الآن) انطلقت موجة جديدة من التحركات الثورية بعثت من جديد الطابع الثوري لميدان التحرير بأقامة الاجتماعات والاعتصامات. وقد تشكلت هذه التحركات الثورية من قبل تنظيمات الشبيبة الثورية وعلى رأسها “حركة شباب 6 ابريل”، الناشطين العماليين، الأحزاب اليسارية التي بصدد التأسيس، وعدد من التيارات الليبرالية. كذلك شارك الأخوان المسلمون في تظاهرات 8 تموز ولكنهم عادوا عصر نفس اليوم الى خطهم السابق كقوة معارضة لكل تحرك ثوري ومدافعة عن جميع المساعي المضادة للثورة التي يمارسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة. مقاومة الأسابيع الثلاثة الأخيرة من قبل القوى المدافعة عن الثورة بوجه تهديدات المجلس الأعلى للقوات المسلحة كانت سبباً لتراجعات واضحة ومتتابعة من قبل الجيش وفرض تغييرات على حكومة عصام شرف. وخلال الأيام الأخيرة اتجهت هذه التحركات الثورية نحو الإتساع ووقفت عملياً يوم الجمعة المصادف 29 تموز أمام اختبار وتجربة جدية حيث لجأ الأخوان المسلمون والسلفيون الى استعراض للقوة المضادة للثورة. وقد تبلور التحرك الثوري الجديد حول سبعة مطالب مشتركة من ضمنها: تحديد الحد الأدنى والأعلى للأجور، إلغاء قانون منع الإضرابات، المحاكمة العلنية لمبارك ورؤوس النظام السابق، إلغاء محاكمة الناشطين الثوار في المحاكم العسكرية، حرية السجناء السياسيين وإلغاء قوانين الطوارئ.

كمونيست: شهدنا في الفترة الأخيرة وخلال المناخ الثوري القائم حتى الآن في مصر ظهور التنظيمات العمالية المختلفة، النشاط العلني للأحزاب والتيارات اليسارية. كيف هي مكانة الطبقة العاملة في هذه التغيرات في الوقت الحالي؟ ماذا كانت مكاسب الطبقة العاملة وماهي العقبات والمعضلات التي تواجه تقدمها؟

فاتح شيخ: إن مكانة الطبقة العاملة في الثورة المصرية المستمرة هي مكانة متناقضة. ففي الوقت الذي يشكل فيه دور وثقل نضال عمال مصر الطبقي في هذه الثورة أساسياً وحاسماً وهذه هي نقطة قوة جدية بشكل كبير جداً، فإن الأهداف الغامضة للناشطين والقادة العماليين في هذه الثورة وغياب برنامج واستراتيجية تتعلق بالثورة العمالية في مسار استمرار الثورة هي نقطة ضعف جدية بشكل كبير أيضاً. على سبيل المثال فإن الشعار السائد والمسيطر على أجواء النضال العمالي هو “الحرية والعدالة الاجتماعية”. حيث أن الترجمة العملية لهذا الشعار العام والحافل بالغموض في النضالات اليومية هي البقاء ضمن حدود المطالب الاقتصادية وترك الساحة السياسية للأحزاب البرجوازية الليبرالية واليسار الليبرالي. غموض هذا الشعار في الضروف المحددة للثورة المصرية القائمة وفر لإخوان المسلمين بوصفهم أحد أجنحة اليمين البرجوازي المصري إمكانية أختيار اسم جديد هو “حزب الحرية والعدالة” بغرض إشاعة الأوهام في صفوف الطبقة العاملة للحصول على أصواتها في الانتخابات البرلمانية القادمة. وبالطبع فأن التحرك الثوري الجديد خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة فضح بدرجات كبيرة الجوهر اليميني المتطرف للأخوان المسلمين وبقية التيارات الإسلامية ومكانتها وموقفها الحقيقي المناهض لثورة العمال والجماهير الثورية والتحررية. إن هذه هي مواجهة جدية ومختبر تجارب للناشطين والقادة العماليين حيث توفر الإمكانية لتوحيد صفوفهم والإرتقاء بوعيهم أكثر لمواجهة التحديات القادمة والصراعات الطبقية المرتقبة برؤية وأفق طبقي أكثر وضوحاً. في الوقت الحالي فإن وزن وثقل الاضرابات والنضالات العمالية أدى الى أن يصبح ضغط الطبقة العاملة على كافة التيارات اليسارية المشغولة ببلورة برنامجها والإرتقاء بتنظيمها أمراً واضحاً وملموساً. في نفس الوقت فإن فئة من القادة والناشطين العماليين الأكثر تقدماً المشغولين في صفوف الاتجاة الراديكالي والاشتراكي للطبقة العاملة بتنظيم النضالات والاضرابات العمالية المستمرة ذوي النفوذ والاعتبار والذين يعتبرون أنفسهم شيوعيين وماركسيين يبذلون جهدهم للإرتقاء بصفوفهم وإضفاء الإنسجام عليها وبلورة التنظيمات الجماهيرية العمالية. هذا التحرك يبعث على الأمل بشكل كبير جداً وجدير بافضل التنسيق والتشاور الشيوعي.

كمونيست: ما هي الدروس المستخلصة من التغيرات المصرية والأوضاع القائمة بالدرجة الأساس والنزاعات والاصطفافات الجديدة وتجارب الثورة حتى الآن في ذلك البلد بالنسبة للطبقة العاملة الإيرانية؟

فاتح شيخ: هذه التغيرات والتحديات التي واجهتها وتواجهها الطبقة العاملة والشيوعيون في مسار استمرار الثورة القائمة في مصر، تحمل الكثير من الدروس والعبر الثمينة جداً للطبقة العاملة والشيوعية في إيران والتي يجب تعلمها والاستفادة منها بشكل جدي. حيث على الشيوعيين والناشطين والقادة العماليين الاستفادة من أية لحظة وفرصة لمشاركة صفوف الطبقة العاملة باستعداد وجاهزية فكرية وسياسية وتنظيمية بأفضل وارقى الأشكال في الثورة الإيرانية المقبلة. وأن القضية الأساسية لأية ثورة هي قضية السلطة الحاكمة في البلد وعلى القادة والناشطين العماليين وعلى وجه الخصوص الشيوعيين والاشتراكيين أن ينظروا الى قضية الإسقاط الثوري للجمهورية الإسلامية من منظار ورؤية واستراتيجية الثورة العمالية. تجربة الثورة المصرية وبقية الثورات الجارية في الشرق الأوسط هي تجربة تاريخية أثبتت مرة أخرى أن التقدم في مسار “استمرار الثورة” من منظار مصالح الطبقة العاملة مرهون بتقييم الفئة الواسعة من قادة الطبقة العاملة الشيوعيين لاستمرار الثورة بمعيار الثورة العمالية، وليس الثورة بشكل عام أو أية ثورة وأن تضغط على هذا الأساس من أجل التقدم بها. وفي أي تحول ثوري وأوضاع ثورية وثورة تحدث في اي مكان، على العمال أن يكونوا واعين أن جميع القوى والأحزاب البرجوازية في الفترات الحساسة من مسار الثورة ستوجه فوهات بنادقها على صدور وصفوف العمال. أخيراً فأن الطبقة العاملة الثورية إذا لم توحد وتنظم صفوفها، إذا لم تنظم وسائل إقتدارها وسلطتها ولم تكن قادرة على الدفاع الصلب والحاسم عن مصالحها في أي تحد يواجهها في مسار الثورة، لن يكون في أنتظارها أي مصير سوى الهزيمة والخضوع لمواصلة عبودية العمل المأجور. لن تغفر البرجوازية أبداً للعمال الثوريين، ولا أي قسم منها. يمكن للطبقة العاملة أن تصبح قائدة استمرار الثورة وتحولها الى ثورتها العمالية ولكن يمكن أيضاً أن تتحول الى ضحية لأهدافها الغامضة. ينبغي الانتباه لمفترق الطرق هذا.

 

ترجمة: يوسف محمد

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: